الشيخ محمد رشيد رضا

372

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

هنا وأخر ما قدمه أي في الذكر ، وهو لا يدل على طلب ترتيب بين الامرين لأن العطف فيه بالواو الدالة على طلب الأمرين مطلقا ، ولكن لو كان التعبير في الموضعين واحدا لفهم منه أن المقدم في الذكر أرجح أو أهم ولو في الجملة كما هي القاعدة في التقديم لذاته . فكان الاختلاف دالا على عدم الفرق بين تقديم هذا وتأخير ذلك وبين عكسه . لأن المراد منهما لا يقتضي ترتيبا بين ما دلت عليه كلمة ( حطة ) وهو الدعاء بأن تحط عنهم أوزارهم وخطاياهم كقولك اللهم غفرا « 1 » وبين دخول باب القرية في حال التلبس بالتواضع والخشوع للّه تعالى وتنكيس الرؤوس شكرا لجلاله على نواله ، كما فعل النبي الأعظم صلّى اللّه عليه وسلّم لما دخل مكة فاتحا ( 7 ) قال ههنا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ قرأ نافع وابن عامر ويعقوب ( تغفر ) بالتاء والفاء المفتوحة ورفع ( خَطِيئاتِكُمْ ) وهو يناسب ( وإذ قيل لهم ) وقرأ الجمهور نغفر بالنون وكسر الفاء ونصب « خطيئاتكم » بكسر تائها وهو يناسب ما بعده وهو كون « سنزيد » للمتكلم المعظم . والمعنى فيهما واحد ، لأن المخاطب الذي يغفر الذنوب واحد . وقرأ ابن عامر ( خطيئتكم ) بالافراد . وهو بمعنى الجمع لأنه مضاف فيفيد العموم ، ولعل فيه إشارة إلى خطيئة خاصة مشتركة . وقرأ أبو عمرو ( خطاياكم ) وبها قرأ الجمهور في آية البقرة ، مع اختلافهم في فعل المغفرة كما هنا . وكتابة الكلمتين في المصحف الامام تحتمل كل ما ذكر في الكلمتين ، وفائدة الاختلاف لفظية وهي التوسع في القراءة ، وقال القطب الشيرازي ان فائدة الاختلاف بين قراءتي الافراد والجمع للخطيئة أن هذه الذنوب تغفر لهم إذا فعلوا ما أمروا به من قول وفعل سواء كانت قليلة كواحدة أو كثيرة ( 8 ) قال ههنا ( سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ) بدون واو على الاستئناف البياني وهو جواب سؤال كأنه قيل : وما ذا بعد المغفرة ؟ أي سنزيد المحسنين في عملهم جزاء حسنا على

--> ( 1 ) قالوا رفعت كلمة حطة مع كونها في موضع النصب بمعنى حط عنا خطايانا حطة - للدلالة على معنى الثبات والاستقرار . والتقدير حاجتنا حطة ، وهو أحسن من تقدير مسألتنا حطة كما قدروا ، أي حاجتنا أن تحط عنا ذنوبنا حطا خاصا أو تاما فان كلمة حطة بكسر الحاء تدل على هيئة الحط ونوعه